عودة إلى دي سوسير

كتب الأستاذ الدكتور عبد السلام المسدي سلسلة من المقالات في ملحق ثقافة اليوم في جريدة الرياض تتضمن بعض "المساءلات الفكرية" في الثقافة العربية منطلِقا من الترجمات العربية الخمس لكتاب اللساني الشهير فردينان دي سوسير (الرياض، ثقافة اليوم، 5/6/1414هـ، 19/6/1414هـ، 3/7/1414هـ،17/7/1414هـ).  

وهذه المساءلات مهمة وضرورية للكشف عن البنية الثقافية العربية المعاصرة بمجملها، والعوامل المؤثرة فيها. وتتضمن تلك المساءلات الكثير مما يمكن أن يُنمَّى ويُغنى بطرح مساءلات إضافية تزيد من عمق التحليل ودقة الرصد.

ويمكن أن يُنظر إلى ما كتبه الدكتور المسدي على أنه تاريخ لجوانب مهمة في اللسانيات في العالم العربي. وسوف أقصر مساهمتي هنا على هذا الجانب.

فمن أهم المساءلات التي طرحها الدكتور المسدي مسألة وجود خمس ترجمات عربية مختلفة لكتاب دي سوسير تظهر في ثلاث سنوات من غير أن تستفيد الواحدة منها من الترجمات الأخرى، ومن غير الإشارة إلى وجودها أيضا مع استثناء إشارة ترجمة يؤيل يوسف عزيز إلى الترجمة اللبنانية.

ويشير الدكتور المسدي في هذا الصدد إلى ما تعانيه الثقافة العربية بمجملها من غياب التراكم المعرفي وهو ما يشي بعدم وجود "جماعة" ينتج أعضاؤها العلم ويقرأ بعضهم إنتاج بعض. ووجود هذه الجماعة ضروري لتوفير مناخ علمي لتراكم المعرفة؛ إذ إنه سيشجع الباحث الفرد على التعمق لأن من يقرأ له سيكون على المستوى الذي هو عليه من حيث الاطلاع. كما أن وجود هذه "الجماعة" سيمثل رقيبا على ما يكتب؛ إذ إن هذه الجماعة منتجة ومستهلكة في الوقت نفسه لما يكتبه المنتمون إليها. وسوف تكتشف، بسرعة، تلك الأبحاث التي تخرج على ما ارتضته هذه "الجماعة" من مستوى. ووجودها ضروري ليعرف الباحث ما كتب الآخرون فلا يكرر ما عملوه، ويبني بدلا عن ذلك على آخر خطوة وصل إليها البحث.

ويعي الأستاذ الدكتور المسدي هذه المسألة وخطورتها فيكرر الإشارة إليها في مواضع كثيرة من تلك المقالات، ويبلغ ضيقه بها حد الذروة حين يشير إلى آخر الترجمات الخمس ظهورا، وهي الترجمة التي أنجزها عبد القادر قنيني في المغرب ونشرت في سنة 1987م. فيقول: "فإن يكن المترجم عبد القادر القنيني لم يطلع على جهود السابقين له فذلك من الأعراض العاتية في نسيج ثقافتنا العربية، وفي عتوها تآكل وإهدار، وإن لم يكن قد بلغه أمرها ولم يذكر أن أمرها قد أدركه فالظاهرة أوجع، وإن تكن قد بلغته واطلع عليها فالقضية أشد إيذاء سواء أكان أفاد منها أم لم يفد. وذلك أن حجب المعلومة في مملكة العلم إثم فكري مثلما أن التكتم على أي عنصر من عناصر المعرفة جناية ثقافية لا تضاهى"(الحلقة 3).

إن حدة الدكتور المسدي في هذه العبارات لتدل دلالة واضحة على ضيق العلماء الواعين بما تعانيه الثقافة العربية من عدم بناء اللاحق على ما أنجزه السابق. كما تدل على أن عدم اعتراف اللاحق بجهود السابقين يمكن أن يصنف أخلاقيا، وذلك ما يجعله منفرا.

غير أن الملاحظ يكاد يصل إلى نتيجة هي أن غياب التراكم المعرفي بسبب عدم احتفال اللاحق بما عمله السابق صار كأنه الشيء الطبيعي المسيطر بطريقة غير واعية حتى إنه لا يكاد ينفك من شَرَكه أولئك الذين يضيقون به.

ومن أوضح الأدلة على هذه الحقيقة المؤلمة أن الدكتور المسدي نفسه قد وقع ضحية لهذا الأمر الطاغي. وذلك أنه سبق لي أن كتبت مراجعة مفصلة للترجمات المصرية واللبنانية والتونسية، ونشرت المراجعة في مجلة عالم الكتب في عام 1408هـ، وأعيد نشرها في كتابي "مراجعات لسانية" الذي صدر عن النادي الأدبي في الرياض، في سنة 1410هـ (ص ص87ـ117). وأنا على يقين من أن الدكتور المسدي قد اطلع على ما كتبته، وذلك ما ذكره في رسالة شخصية حظيت بها منه مؤرخة في 10/3/1991م، يقول فيها: "ولا يفوتني أن أنوه بجهدكم في التعريف بالترجمات الثلاث لمحاضرات فردينان دي سوسير. . . ".

ولذلك فإن عدم إشارة الدكتور المسدي لما كتبته عن الترجمات الثلاث، ولو من باب التوثيق، له من الدلالة أكثر مما للأمثلة الأخرى. ويزيد الأمر غرابة أن كثيرا من النقاط التي أخذها على الترجمات الثلاث خصوصا، ورآها في الترجمتين الأخريين أيضا، كان متفقا معي فيها. وسيكون الأمر طبيعيا لو جاء ما كتبه الدكتور المسدي متجاوزا لما كتبته ـ بعد الإشارة إليه؛ لكن ما كتبه، وإن تفوق على ما كتبته بجزالة اللغة وبراعة الأسلوب، لم يزد على ما جاء في مقالي السابق له إلا نقاطا محدودة. وهذه نتيجة سيئة لعدم التراكم المعرفي، إذ إن القارئ ليس في حاجة إلى أن يقرأ الموضوع مرتين. فمثل هذا العمل سيجعل البحث يدور في حلقة مفرغة حيث يحاول كل واحد أن "يخترع العجلة من جديد" كما يقال.

ولأنني أرى أن المقالات الأربع التي كتبها الدكتور المسدي تدخل في باب التاريخ للدراسات اللسانية العربية ـ كما قدمت ـ فإنني أرى كذلك أن الدقة في التوثيق مهمة جدا إذ سيعتمد  المؤرخون في تاريخهم لما نعاصره على شهادتنا نحن.

وإلى جانب عدم إشارة الدكتور المسدي إلى ما كتبته عن الموضوع نفسه فإن هذه المقالات تلفت النظر إلى وجود شواهد أخرى لعدم الدقة في التوثيق. بل إنها لتشهد بأن الدكتور المسدي تجاوز عدم الدقة في التوثيق إلى الانحياز لكل ما هو تونسيّ عند الحديث عن الترجمات الخمس وغيرها. وسوف أحاول هنا إيراد بعض الشواهد على ذلك.

فمن النقاط المهمة ما قاله من أن الترجمة التونسية التي صدرت في أواسط سنة 1985م، كانت "على حد ما نعلم أولى الترجمات"(الحلقة 1). ولما كانت الترجمة اللبنانية مؤرخ صدورها بسنة 1984م فقد قال عن ذلك: "وصدرت الترجمة اللبنانية ولم يذكر الناشر عليها تفاصيل التاريخ، ولكنه تعمد في الصفحة الثانية أن يكتب: جميع الحقوق محفوظة للطبعة العربية بإذن خاص من الناشر الفرنسي، الفصل الأول، 1984م. وهي جملة مضللة لأنها تورد تاريخا لا تحدد إن كان تاريخ الاتفاق مع دار بايو الفرنسية أو تاريخ صدور الترجمة العربية".

وفي هذا القول ـ كما هو واضح ـ إصرار على أن تكون الترجمة اللبنانية تالية للترجمة التونسية، ويطرح احتمال أن يكون التاريخ المذكور هو تاريخ الاتفاق مع الناشر الفرنسي على الترجمة إلى العربية لا تاريخ صدور الترجمة اللبنانية. وهناك دليل على أن ما كتب على الترجمة اللبنانية إنما هو تاريخ صدورها لا تاريخ الاتفاق على الترجمة إلى العربية مع الناشر الفرنسي. وذلك هو أن الدكتور المسدي نفسه يقول إنه "في مطلع سنة 1985م استشاره القائمون على الدار العربية[التي نشرت الترجمة التونسية] في أمر الكتاب ووجاهة إصداره، وذلك لما اتصلت بهم دار نعمان للثقافة في لبنان تثنيهم عن عزمهم على نشر الكتاب بسبب أن لدى دار نعمان إذنا خاصا من الناشر الفرنسي". وقد ذكر أن دار نعمان أبلغت الدار العربية في تونس بأنهم "يهيئون إصدار ترجمة للكتاب". ولم يحدد الشهر الذي تم فيه اتصال دار نعمان بالدار العربية؛ لكننا إذا التفتنا إلى ما ذكره الدكتور المسدي نفسه ـ من غير أن يلفت نظره ـ وهو أن الدكتور مالك يوسف المطلبي ذكر في مقدمته للترجمة العراقية التي أنجزها الدكتور يؤيل يوسف عزيز(وتاريخ تلك المقدمة هو 25/1/1985م) أنه في أثناء مراجعته مع المترجم". . . نمى إلينا أن ترجمة عربية للمحاضرات قد وصلت إلى بغداد. وهي تحمل عنوان: محاضرات في الألسنية العامة، ترجمها الأستاذان يوسف غازي ومجيد النصر" (ص13)، فإننا يمكن لنا أن نحدد ذلك التاريخ.

فمادام أن مقدمة الدكتور المطلبي مؤرخة في الشهر الأول من سنة 1985م، فإن مراجعته للترجمة لا بد أن تكون في سنة 1984م. وهذا يدل دلالة أكيدة على أن التاريخ الذي كتب في الترجمة اللبنانية ليس للتضليل كما أراد الدكتور المسدي أن يوحي للقارئ. فالقول بأن الناشر اللبناني كان يهيئ إصدار الترجمة اللبنانية في مطلع 1985م قول تنقصه الدقة. ولذلك فإن الترجمة اللبنانية أسبق في الظهور من الترجمة التونسية.

بل يمكن القول إن الترجمة العراقية، أيضا، كانت أسبق من الترجمة التونسية. وذلك أن الدكتور المطلبي حدد مراجعته بالشهر الأول من سنة 1985م أما الدكتور المسدي فاكتفى بتحديد اللقاء مع الناشر التونسي بمطلع 1985م وهو تاريخ يمكن أن يكون متأخرا عن الشهر الأول من تلك السنة.

وبما أن الترجمة اللبنانية والترجمة العراقية والترجمة المصرية والترجمة التونسية نشرت كلها فيما بين 1984 و1985 ، ولا بد أن العمل فيها قد استغرق وقتا قبل أن تظهر هذه الترجمات فإنه يوجه اللوم للمترجمين لعدم اطلاع بعضهم على عمل بعض. ويأتي لومه على الشكل التالي:

"ولئن بدا واضحا أن الترجمة التونسية لدروس دي سوسير قد عاشت إنجازها الجنيني قبل الترجمات الأخرى، وأن الترجمة المصرية قد أنجزها أحمد الكراعين في غير متابعة للجهود العربية الأخرى المجانسة، وأن يوسف غازي ومجيد النصر قد أقدما على الترجمة وأنجزاها وهما أبعد ما يكونان عن استشعار جهد عربي مواز لجهدهما، وأن الترجمة العراقية قد بلغت تمامها حين وصلتها الترجمة اللبنانية. . ."

وكما هو واضح فإنه يوجه اللوم للقائمين على الترجمة اللبنانية والترجمة العراقية والترجمة المصرية فقط؛ أما الترجمة التونسية فهي المرجع وهي التي كان يجب على هؤلاء المترجمين المعرفة بها. وفي هذا القول إصرار على أن الترجمة التونسية أقدم من غيرها حتى في مراحلها الأولى.

ولا شك أننا نعرف أن الترجمة التونسية قد بدأت ـ كما قيل في مقدمتها ـ في سنة 1975م، وقد استغرق إنجازها زمنا طويلا؛ لكننا لا نعرف على وجه اليقين ـ من الترجمات الأخرى ـ تاريخ بدء المترجمين لعملهم فيها. على أننا نعرف أن الترجمة المصرية أنجزت في مطلع 1983م، كما يظهر في تاريخ المقدمة، وهو 7/2/1983م، كما أن تاريخ مقدمة الترجمة العراقية هو 18/2/1984م. وإذا كان الزمن الذي استغرقه إنجاز الترجمة التونسية مقياسا فإن هاتين الترجمتين ربما بدأتا قبل البدء بالترجمة التونسية.

وإذا كان هناك من لوم لا بد أن يوجَّه إلى المترجمين على عدم اطلاع بعضهم على جهد بعض ـ وهو ما لا أراه، لأن عدم الاتصال بين المختصين صار هو الشيء الطبيعي لأسباب عديدة كما قدمت ـ فإنه ينبغي أن يلام المترجمون كلهم ـ ومن بينهم المترجمون التونسيون ـ بطريقة واحدة.

ومن الأمور التي يشدد الدكتور المسدي الإنكار عليها عدم التزام الترجمات الخمس بمصطلح "اللسانيات". إذ استعملت هذه الترجمات مصطلحات أخرى في عنوان الكتاب على الرغم من اتفاق المتخصصين في إحدى المؤتمرات في تونس في سنة 1978م على استخدام مصطلح "اللسانيات" في الدلالة على هذا العلم. ويشمل إنكاره جملة من الباحثين العرب الذين ذكر أسماءهم لأنهم لا يلتزمون بهذا المصطلح في كتاباتهم على الرغم من حضورهم  ذلك المؤتمر ومعرفتهم بما تم الاتفاق عليه. ويصوغ هذا الإنكار الموجه لهؤلاء الباحثين في صورة عدد من الأسئلة الاستنكارية، مثل :"فهل هو الارتباط العملي بين كل واحد منهم وما سبق له نشره من كتب وأبحاث فيخشى أن يرمى بالاضطراب الاصطلاحي!، أم هو الارتباط الحميمي بينه وبين بيئته الأم، فهو يتقي شبهة الارتداد!، أم تراه الارتباط العاطفي الذي يشده إلى اللغة وإلى ما ألفه من ألفاظ حتى لكأن العلاقة هي كعلاقة الأبوة أو الأمومة؟!(الحلقة 2).

وهذه الأسئلة الاستنكارية ـ وإن حاول التخفيف من وقعها ـ تشير إلى موقف صارم غير متسامح من الخروج عن ما اتفق عليه من مصطلحات علمية.

غير أن من الملاحظ أن الترجمة التونسية جاءت تحمل عنوانا هو "دروس في الألسنة العامة". فهي لم تلتزم بمصطلح"اللسانيات"، أيضا، وهي في البلد الذي تم فيه الاتفاق قبل ثماني سنوات. ويأتي حديثه عن هذه الظاهرة على النحو التالي:

وكان طبيعيا أن تصدر الترجمة التونسية ـ وقد أنجزها محمد الشاوش ومحمد عجينة بإشراف الأستاذ القرمادي كما بيَّنا بعنوان "دروس في الألسنية العامة". فلماذا يكون الخروج عن هذا المصطلح المتفق عليه ـ في هذه الترجمة ـ طبيعيا؟ أتراه يشير إلى أن هذا الاستعمال هو السائد في تونس فلا غرابة، من ثم، أن ينزلق المترجمون التونسيون إلى استعماله بصورة غير واعية؟

فإذا كان هذا التفسير صحيحا فقد كان الأحرى به أن يلتمس العذر لغير التونسيين إذا لم يلتزموا بمصطلح "اللسانيات"، واستعملوا المصطلحات السائدة في بلدانهم، وأن يصف استعمالهم لتلك المصطلحات القديمة بأنه "طبيعي" أيضا.

غير أنه يقول بعد ذلك: "ولكن الطريف أننا ونحن نحاور المترجم الأول [التونسي] في رحاب الجامعة التونسية لتنسيق الجهد اللساني والالتزام بالمصطلح الواحد لم يكن منه إلا أن فاتحنا بأن الوفاء لروح الأستاذ يقضي بالإبقاء على مصطلح الألسنية. فعرفنا أن ما وراء الثقافة ما زال يتحكم عندنا في المعرفة أكثر مما تتحكم المعرفة في الثقافة وفي ما وراء الثقافة. . ."(الحلقة 2). ومن الواضح أن هذا الكلام يحمل قدرا من عدم الرضا عن استعمال المترجمين التونسيين مصطلح "الألسنية" بدلا من "اللسانيات" لكننا إذا قارناه بالصياغة الحادة لإنكاره على غير التونسيين وجدنا فرقا كبيرا.

وينبغي أن أشير هنا إلى أن الدكتور المسدي نفسه لا يلتزم أحيانا بمصطلح "اللسانيات" في المقالات الأربع وبخاصة في الحلقة الرابعة.

وشبيه بهذا استعمال بعض الترجمات في عنوان الترجمة كلمة "محاضرات". وهو ينكر هذا ويرى أن الكلمة الصحيحة التي يجب استعمالها هي الكلمة التي استعملتها الترجمة التونسية، أي "دروس". وبغض النظر عن عدم أهمية هذا التفريق إلا أن الدكتور المسدي نفسه يستعمل كلمة "محاضرات" في اسم كتاب دي سوسير، وذلك في مثل الرسالة الشخصية التي تفضل عليّ بها، وأشرت إليها من قبل.

وكذلك رسم اسم دي سوسير، فقد لاحظ الاختلاف في رسمه بين الترجمات المختلفة، وأشار بطريقة غير مباشرة إلى أن الرسم الصحيح لهذا الاسم هو ما ظهر في الترجمة التونسية، أي "فردنان دي سوسير". لكن الطريف في الأمر أن هذا الاسم مرسوم في الهامش رقم 1، ص 284 من الترجمة التونسية على صورة "سوسور". وهو مماثل لما في  بعض الترجمات الأخرى. ولذلك فإما الإنكار على الجميع أو التماس العذر لمن قصَّر.

ومن ذلك أيضا إنكاره على بعض الترجمات عدم تضمنها ترجمة لمقدمة محرري الكتاب في لغته الأصلية. بل يصل الأمر به في لوم المترجمين اللبنانيين اللذين لم تتضمن ترجمتهما هذه المقدمة إلى أن يقول: "فالترجمة اللبنانية التي وضعها يوسف غازي ومجيد النصر قد أهملت هذه المقدمة الوجيزة إهمالا يجعلنا على يقين بأنهما لا يعتبرانها من النص، فإن لم يعرفا أن بالي وسيشهاي، وهما اللذان كتباها، هما اللذان حررا الكتاب بأكمله، فمن الذي سيتبين ذلك من القراء العرب الذين سيتناولون الترجمة العربية. أفلا يكون المترجمان يصران على توهم أن سوسير هو الذي خط كتابه بالأحرف والكلم ومفاصل السطور!"(الحلقة3). ويحمل هذا القول اتهاما للضمير العلمي للمترجمين اللبنانيين.

ومن الملاحظ أن الترجمتين العراقية والمصرية قد تضمنتا ترجمة لمقدمة المحررين، لكنه لم يشر إلى ذلك مباشرة. أما الترجمة التونسية فيقول عنها: "أما محمد الشاوش ومحمد عجينة فقد كتبا في الترجمة التونسية توطئة ضمناها لب ما في مقدمة بالي وسيشهاي، ولو أنهما دونا توطئتهما ثم وفرا للقارئ ترجمة نصية للمقدمة لما كان عليهما في شيء من ذلك أي ضير، بل كنا نقول ـ لو فعلا ـ إنهما قد جمعا إلى النص الشرح المضيء للنص"(الحلقة3).

وهذا التعقيب الرقيق لا يقارن بحدة كلامه الذي تقدم عن الموضوع نفسه في الترجمة اللبنانية. وكذلك الترجمة المغربية التي بالغ في تقريعها لذلك السبب. أما الناظر في التوطئة التي كتبها المترجمون التونسيون التي ذكر أنها تحوي "لب ما في مقدمة بالي وسيشهاي" فإنه سيجد أنها لم تتضمن حرفا واحدا من تلك المقدمة، بل إن في هذه التوطئة إشارات عدة إلى أن الكتاب من صنع دي سوسير نفسه. وذلك واضح في العبارات التالية المأخوذة من تلك التوطئة:"وترجمة كتاب دي سوسير"(ص8)، و"إن هَمّ صاحب الكتاب"(ص9)، و "تحفظ لصاحب الكتاب خصوصياته"(ص10)، و"قد ضمن سوسير دروسه"(ص10). فلماذا لم ينل المترجمون التونسيون قدرا مماثلا من النقد الذي وجهه إلى المترجمين اللبنانيين والمترجم المغربي؟ بل إن المترجمين التونسيين نالوا على المأخذ نفسه ثناء وإن كان مشروكا ببعض النقد الرفيق.

ولقد وجه نقدا لغير التونسيين لعدم إشارتهم إلى الترجمات الأخرى(الحلقة 3)؛ ومن ذلك نقده الحاد للمترجم المغربي الذي لم يشر إلى الترجمات الأربع التي سبقت ترجمته(الحلقة 1). والواقع أن الناشر التونسي يعلم بأن هناك ترجمة لبنانية ـ بغض النظر عن صدورها أو عدم صدورها ـ وكان على الدكتور المسدي، ما دام يؤمن بهذه المثل، أن يطلب من الناشر التونسي إطلاعه على تلك الترجمة، أو أن يطلب بأن تتضمن الترجمة التونسية إشارة إليها. ولكنه، وهو المستشار المؤتمن، لم يشر بشيء من ذلك. فكيف يطالب الآخرين الذين ربما لم يبلغهم خبر الترجمات الأخرى بشيء لم ينفذه هو وهو يعلم بوجود بعض تلك الترجمات؟

وأكثر من ذلك غرابة أنه عند كلامه عن الترجمة العراقية، وإشارة الدكتور المطلبي ـ الذي كتب مقدمتها ـ إلى الترجمة اللبنانية ومحاولته الموازنة بين الترجمتين، يقول عن عمل الدكتور المطلبي:". . . وإلا فما بال الدكتور مالك المطلبي يأخذه الإطناب وهو يقدم ترجمة يؤيل يوسف عزيز لكتاب دي سوسير محاولا ـ بجهد لا يخلو من الغضب ـ تبرير إصدار الترجمة العراقية بعد وصول نسخة من الترجمة اللبنانية إلى دار آفاق عربية، وما له يفيض في موازنة اصطلاحية عابرة لم يحركه إليها قلق العلماء باللغة، أو حيرة العارفين بأسرار مصطلحاتها، وإنما حركه الدفاع عن صدور الترجمة ثانية كأنه مأثم من المآثم" (الحلقة3).

والواقع أن الدكتور المطلبي في تلك الموازنة كان أبعد ما يكون عن الغضب. أما ما يحركه إلى الموازنة فالله أعلم بالقلوب.

وهذا الموقف طريف للغاية إذ تساوى الذي أشار إلى ترجمة أخرى والذي لم يشر في اللوم والتقريع. فما المخرج يا ترى؟

ومما له صلة بتفضيل ما عمله التونسيون على ما عمله غيرهم أنه يشير إلى أن العلماء التونسيين "اكتشفوا هذا العلم وهم في ربوع الجامعات التونسية فكان من الطبيعي أن يلجوا بيوت العلم من أبوابها. فدرسوا كتاب سوسير وتمثلوه. . ." . وعلى الرغم من أن جل كتاباتهم إلى أواسط السبعينيات كانت ـ كما يقول ـ بالفرنسية، وهو ما يؤاخذهم عليه مؤاخذة رفيقة، إلا أن ما يشفع لهم ـ كما يقول ـ أنهم أعدوا خطة منظمة لترجمات أمهات هذا العلم إلى العربية.

 لكن الواقع أن كتب العلماء المصريين خاصة مثل الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور محمود السعران رحمهما الله، والدكتور تمام حسان والدكتور محمود حجازي والدكتور أحمد مختار عمر والدكتور كمال بشر ما زالت هي التي تدرس في تونس. بل إن ترجمة أمهات الكتب اللسانية تمت في مصر أولا، وذلك مثل ترجمة كتاب فندريس والكتب التي ترجمها الدكتور عبد الرحمن أيوب والكتب التي ترجمها محمد مندور والدكتور أحمد مختار عمر وغيرهم كثير.

كما تحوي الكتب التي ألفها هؤلاء إشارات مبكرة لدي سوسير ومكانة آرائه في الدرس اللساني. ومن غير الإنصاف أن يصف أعمال أولئك بقوله إن اللغويين العرب (ويقصد بهم المشارقة فيما يبدو) انتبهوا "لماما إلى آراء سوسير ووقفوا على جملة ثنائياته بوصفها تصورات إجرائية في البحث اللغوي"(الحلقة4).

وبالجملة فإن الدكتور المسدي يوحي للقارئ أن الترجمة التونسية هي أفضل الترجمات الخمس، لكنه لم يقدم دليلا واحدا على ذلك. ولقد وصلت ـ في بحثي الذي أشرت إليه آنفا ـ إلى أن الترجمة التونسية تفضل الترجمتين المصرية واللبنانية. وذلك انطلاقا من الموازنة بين هذه الترجمات والنص الأصلي ـ كما يبدو في اللغة الانجليزية. وكان الأجدر به أن يستشهد بما وصلت إليه في هذا الصدد إن لم يتيسر له عرض مقارنته بين الترجمات والأصل. ولكن الذي منعه من ذلك ـ والله أعلم ـ إنما هو الموقف الغالب في الحلقات الأربع كلها، وهو أنه لا قيمة لما يعمله غير التونسيين.

وخلاصة القول أن ما كتبه الدكتور المسدي في تلك الحلقات لا يصلح أن يكون تاريخا لترجمة كتاب دي سوسير إلى العربية. وذلك أن التحيز فيه واضح. أما ما يشكو منه من غياب التراكم المعرفي في الثقافة العربية فقد قدم في هذه الحلقات دليلا ملموسا على أن هذه الشكوى ما زالت شعارا يرفع ويُتذرع به لنقد الآخرين لا أكثر.

وهذا الشكوى مما يجب أن يكون من بين المساءلات الفكرية التي تخص أخلاقيات البحث العلمي. ويضاف إلى ذلك أن أكثر النقاط التي ذكرها في عرضه للترجمات مسبوق إليه ـ وإن صاغها بصياغة لغوية ممتازة.


*نشرت في جريدة الرياض، ثقافة اليوم 26/10/1414هـ.